الثلاثاء 10 يونيو 2014
عدد التعليقات : 2

قابلية محلّ النزاع للتحكيم

إن من المسائل ذات الاهمية الكبيرة التي يجب الحديث عنها في صدد البحث حول اتفاق التحكيم تحديد مدى قابلية محل النزاع للتحكيم من حيث موضوع النزاع،فحين تحدثنا عن أن التحكيم هو قضاء اتفاقي أشرنا إلى أن هذا الاتفاق ليس مطلقاً من حيث الموضوع، بل هو مقيد بقيود قانونية تحدد ما يجوز ولا يجوز التحكيم فيه، ولقد نص المشرع الأردني في المادة الثالثة من قانون التحكيم رقم (31) لسنة 2001 على أنه :”تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم اتفاقي يجري في المملكة ويتعلق بنزاع مدني أو تجاري بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أيّاً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع عقدية كانت أو غير عقدية “.

يمكن لنا ومن خلال نص المادة السابقة القول أن أي منازعة قانونية و أيّاً كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع يمكن أن تكون محلاً لاتفاق التحكيم حين نقرأ هذا النص منفرداً دون قيود أو نصوص أخرى، ولكن ولمّا كانت القاعدة القانونية أن “النصوص تقرأ جملةً واحدة” فإننا ننسحب من هذا القول إلى دائرة القيود التي يجب أن يراعيها هذا الاتفاق في قابليّة محل النزاع للتحكيم.

وبناءً عليه فإن التحكيم جائز في المنازعات المدنية والمنازعات التجارية، كما أنه يجوز الاتفاق على التحكيم بشأن علاقة قانونية غير تقاعدية، كما أجاز المشرع أن يكون أطراف النزاع من أشخاص القانون العام أو أشخاص القانون الخاص، لذا فإننا نجد أن المشرع الأردني قد ترك الباب مفتوحاً بالنسبة للمسائل التي يجوز فيها التحكيم وذلك من خلال عموم نص المادة الثالثة. إلا أنه عاد وتدارك الأمر ووضع قيداً في المسائل التي تخرج عن نطاق التحكيم ولا يجوز التحكيم فيها، فقد جاءت المادة التاسعة من قانون التحكيم لتنص على أنه :” لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح “. ومن خلال هذا النص نجد أن المشرع قد ربط بين قواعد التحكيم وقواعد الصلح التي أيضاً لم يحدد نطاقها، ولما كان الصلح قد يصلح فيه أن نصنفه ضمن القواعد العامة على أنه من أحكام العقود فنجد أن نص المادة 89 من القانون المدني الأردني قد جاء فيها:”تسري على العقود المسماة منها وغير المسماة القواعد العامة التي يشتمل عليها هذا الفصل “.

كما تنص المادة 88 من القانون المدني الأردني على الحالات التي يصح على أن يرد عليها العقد حيث تنص على أنه:”يصح أن يرد العقد:

  1. على الأعيان، منقولة كانت أو عقارا مادية كانت أو معنوية.
  2. على منافع الأعيان .
  3. على عمل معين أو خدمة معينة.
  4. على أي شيء آخر ليس ممنوعاً بنص في القانون أو مخالفا للنظام العام أو الآداب “.

وكذلك فان المادة 163 من القانون المدني الأردني تنص على الحالات التي لا يجوز التعاقد عليها بقولها:

  1. يشترط أن يكون المحل قابلاً لحكم العقد.
  2. فان منع الشارع التعامل في أي شيء أو كان مخالفاً للنظام العام أو للآداب كان العقد باطلاً.
  3. ويعتبر من النظام العام بوجه خاص الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية : كالأهلية والميراث والأحكام المتعلقة بالانتقال، والإجراءات اللازمة للتصرف في الوقف وفي العقار والتصرف في المال المحجوز ومال الوقف ومال الدولة، وقوانين التسعير الجبري وسائر القوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية “.

وفي محاولة لاستقراء النصوص السابقة يمكن أن نستخلص منها أن ما لا يجوز فيه الصلح هو لم يكن محل التعاقد فيه قابلاً لحكم العقد أو غير قابلا للتعامل فيه، فإن كان كذلك كان العقد باطلاً.

وكذلك ورجوعاً للقواعد العامة في أحكام العقود نجد أن المحل لا يكون قابلا لحكم العقد في الحالات التالية  :

1- إذا خرج المحل عن التعامل بطبيعته .

وقد بين المشرع الأردني الحالات التي تخرج عن التعامل بطبيعتها حيث قال: هي التي لا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها في المادة 55 من القانون المدني. وهذه الأشياء تخرج عن التعامل بطبيعتها لأنه لا يمكن الاستحواذ عليها أو الاستئثار بها مثل الهواء والماء وأشعة الشمس، إلا أن هذه الأشياء إذا أمكن إحرازها والاستحواذ عليها تصبح حقوقاً قابلة للتصرف فيها وعلّة عدم قابلية هذه الأشياء لحكم العقد ترتد إما لبقائها على الإباحة الأصلية أو على عدم القدرة على تسليمها أو لعدم دخولها في ملك المتصرف.

أما في الحالة الثانية إذا خرج الشيء عن التعامل بحكم القانون فقد نص المشرع على خروجها لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة ومنها منع التعامل بالجسد البشري وذلك بسبب حرمة الإنسان وقدسية جسده وصفاته الجوهرية، وكذلك فقد منع التعامل ببعض الأشياء الخطرة التي تضر بالمصلحة العامة كالسموم والمخدرات.

وأما الحالة الأخيرة فهي خروج المحل عن التعامل لمخالفته للنظام العام، ولقد بيّنت المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني أهمية فكرة النظام العام بقولها :”فكرة النظام العام فكرة مرنة جداً، وقد رأى أن يفرد لها مكانا في نصوص المشروع، لتظل منفساً رئيسيا تجد فيه التيارات الاجتماعية والأخلاقية سبيلها للنظام القانوني  لتبث فيه ما يعوزه من عناصر الجدة والحياة بيْدَ أنه يخلُقُ بالقاضي أن يتحرز من إحلال آراءه الخاصة بالعدل الاجتماعي محل التيار الجامح للنظام العام أو الآداب فالواجب يقتضيه أن يطبق مذهبا عاما تدين به الجماعة بأسرها لا مذهبا فرديا خاصا.[1]

وقد أخذ القانون بذلك حيث نص في المادة 163 من القانون المدني الأردني وفي فقرتها الثانية بأنه :”فإن منع الشارع التعامل في شيء أو كان مخالفا للنظام العام، أو للآداب العامة، كان العقد باطلا “.[2]

وبناءً على ما جاء في المذكرة الإيضاحية بأن فكرة النظام العام فكرة مرنة فلم يضع المشرع الأردني تعريفاً للنظام العام.

وتأتي صعوبة وضع تعريف للنظام العام لاختلاف مفهومه من مجتمع لآخر، ومن زمان لآخر. إلا أن ذلك لم يمنع من وضع تعريف له فهناك من عرّفه على أنه :” مجموعة القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها لأنها تمس كيان الدولة ، أو تتعلق بمصلحة أساسية من مصالحها السياسية ، أو الاجتماعية أو الاقتصادية “.[3]

والنظام العام يتسع باتساع تدخل الدولة ، وقد جرت العادة على القول : إن كل القواعد القانونية التي تتعلق بالمصالح العليا للدولة تعتبر من النظام العام ، وبناء على هذا فان هناك فروع بأكملها من فروع القانون تتعلق قواعدها بالنظام العام ومثال ذلك: القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون الضريبي والقانون الجنائي، كما إن فكرة النظام العام لا تقتصر على قواعد القانون العام فكثير من قواعد القانون الخاص كتلك التي تتعلق بالأهلية وعلاقات الأسرة : كالزواج والطلاق والميراث كما أنه لم يعد بالإمكان القول بأن قواعد القانون العام تقتصر على تلك المتعلقة بالمصالح العليا للدولة؛ فبعض هذه القواعد تتعلق بالمصالح الخاصة للأفراد وهي من النظام العام ومن الأمثلة على ذلك : تعديل عقود الإذعان لمصلحة الطرف المذعن (الضعيف) وتعديل الشرط الجزائي وردّ الالتزام المرهق إلى الحد المعقول .[4]

وتعرّف الآداب العامة بأنها:”القواعد الخُلُقية الاجتماعية التي تعتبر أساسية للنظام الاجتماعي لأي مجتمع “.[5]

وفي النهاية لابد من الإشارة إلى أن معيار القاضي في تحديد النظام العام، والآداب العامة كما جاء في المذكرة الإيضاحية معيار موضوعي ينظر فيه إلى السائد في المجتمع، وليس معياراً شخصياً يركن فيه القاضي إلى آرائه الخاصة في العدل الاجتماعي ومذهبه الخاص في الحياة، كما أنه لابد من بيان أن سلطة القاضي في تحديد قواعد الآداب العامة أوسع مما هي عليه في النظام العام ، لأن قواعد الآداب تحكمها ظروف المجتمع وتقاليده وأعرافه في حين أن النظام العام تحكمه نصوص القوانين وروحها وأهدافها .

وبعد أن بيّـنّا المقصود بالنظام العام فإننا سوف نحاول بيان المسائل التي لا يجوز بشأنها التحكيم في القانون الأردني في ثلاثة فروع على التوالي .

 

الفرع الأول : مسائل الأحوال الشخصية .

بداية لابد من الإشارة إلى أن التشريعات تخرج مسائل الأحوال الشخصية من نطاق المسائل التي يجوز التصالح بشأنها، وبالتالي تخرج من نطاق القابلية للتحكيم، وذلك لتعلّق هذه المسائل بالنظام العام إلا أن إجماع الفقه ينعقد على تقسيم المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية إلى مسائل أحوال شخصية بحتة ، ومسائل تتصل بالمصالح المالية المترتبة عليها.[6]

والمسائل التي تتعلق بالنظام العام منها : المسائل المتعلقة بالنسب والزواج  والطلاق والبنوة والحضانة وثبوت الوراثة وغيرها من المسائل المتعلقة بالحالة، فلا يجوز التحكيم في مسائل تتعلق بما إذا كان الولد شرعيا أم متبنى أم أنه ينتسب إلى أسرة ما، كما لا يجوز التحكيم على صحة أو بطلان عقد الزواج .[7]

كما أنه لا يجوز التحكيم في المسائل المتعلقة بالطلاق : كالتحكيم على صحة الطلاق أو عدمه، إلا أنه لا يجوز وبشكل استثنائي وبشروط معينه إجراء التحكيم إذا ادعى أحد الزوجين إضرار الآخر به بشكل لم يعد معه استمرار الحياة الزوجية ممكناً،

وبالتالي فان هذه المسألة و إن كانت لا تنطبق عليها أحكام التحكيم العامة وشرائطه ونفاذ أصوله ، فهو يسمى تحكيما وان كان للمحكمين فيه صفة هي أقرب إلى صفة الخبراء.

كما لا يجوز التحكيم في خصومة تتعلق ببنوة طفل أو تتصل بحضانته أو بحقوقه على والديه أو بخصومة تتعلق بما إذا كان الشخص وارثا أم غير وارث ولا بخصومة تتصل بالحجر على شخص ، أو بتحديد سنّه وما إذا كان قد بلغ سن الرشد إن لم يبلغه بعد .[8]

ولكن يجوز التحكيم في الأمور المترتبة على الحالة الشخصية ، لأن هذه الأمور قابلة للصلح فيجوز للمطلقة مثلا التحكيم على مقدار نفقة العدة ومؤخر الصداق ويجوز للورثة الاتفاق على التحكيم لحصر الإرث وتوزيعه كما ويجوز التعويض عن فسخ الخطبة .

 

الفرع الثاني : المسائل المتعلقة بالنظام العام .

1- الجنسية:

الجنسية هي:”رابطة قانونية سياسية بين الفرد والدولة تنسب وترد كل فرد للدولة التي ينتمي إليها وتسبغ عليه صفة المواطن فيها وتنشأ عنها حقوق وواجبات متقابلة”.[9] فالجنسية تمس تكوين الدولة وهي مظهر من مظاهر سيادتها فلا يتصور أن تكون المنازعات المتعلقة بالجنسية محلاً لصلحٍ أو تحكيم بين الفرد والدولة، فلا يجوز الاتفاق على نزاع يتعلق بجنسية شخص بطريق التحكيم سواء كان هذا النزاع يتعلق بالإقرار بالجنسية أو نفيها .[10] ولكن ليس هناك ما يمنع من التحكيم في دعوى بطلب التعويض عن قرار إداري صدر مخالفا للقانون بشأن الجنسية.[11]

 

2- المسائل الجنائية:

المسائل الجنائية بصفة عامة لا يجوز الصلح بشأنها ، وبالتالي لا يجوز أن تكون موضوعا للتحكيم وذلك لتميزها بجملة خصائص من شأنها أن تجعل الفصل فيها منوطا بقضاء الدولة ، ومن هذه الخصائص : إن النزاع بشأنها لا يكون بين أشخاص وإنما بين شخص والنيابة العامة ، ولا يجوز أن تكون النيابة العامة طرفا أصيلا في التحكيم ، لأنها تباشر وظيفتها أمام القضاء وليس أمام المحكمين ، لأنها تمثل المجتمع وهذا ما يتعلق بالنظام العام فلا يجوز الصلح بشأنها لا مع النيابة العامة ولا مع المجني عليه نفسه ، إلا أن حق النيابة العامة قد يعلّق على تقديم شكوى من المجني عليه أو على تقديم طلب كتابي من جهة حكومية أو على إذن خاص من جهة حكومية ففي مثل هذه الأحوال يعتبر الاتفاق على التحكيم بمثابة تنازل عن الحق في الشكوى أو تقديم الطلب أو أخذ الإذن .

كما أن الاتهام يحكمه مبدأ الشرعية – لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص – فلا يجوز التحكيم في صدد قيام الجريمة أو عدم قيامها ، أو في صدد نسبتها إلى فاعلها وفي صدد العقوبة الجنائية المراد إعمالها كجزاء على ما ارتكبه الجاني .

وعلى العكس مما سبق فإن المسائل المالية المترتبة على ارتكاب جريمة يمكن أن تكون محلا للتحكيم لأنه يحوز الصلح بشأنها ومثال ذلك : جواز التحكيم بشأن تقدير التعويض المستحق للمجني عليه ، على أن هذا لا يمنع من رفع الدعوى الجنائية أو من السير فيها .[12]

3- المسائل المتعلقة بإجراءات التقاضي والتنفيذ :

لا يجوز التحكيم في نزاع يتصل بإجراءات التقاضي أمام القضاء ، لأن القضاء هو المختص في حل هذه النزاعات ، وضمن إجراءات قانونية لأن إجراءات التقاضي من النظام العام . فلا يجوز إلزام المحكمة بتنفيذ حكم المحكّمين لأن المحكمة وحدها التي تملك تقدير إن كان هذا من اختصاصها من عدمه ، كما لا يجوز أن يكون موضوعا للتحكيم الحكم ببطلان أو صحة إجراء من إجراءات التقاضي .

كما لا يجوز التحكيم في المنازعات التي تتعلق بإجراءات التنفيذ سواء كانت هذه المنازعات تتعلق بصحة إجراء أو بطلانه ، أو كانت المنازعة تتعلق بالإعفاء من إجراء تطلبه القانون ، وكما يجوز التحكيم بصدد إتباع إجراءات أخرى لم يتطلبها القانون . أما إذا تطلب القانون لصحة إجراءات الحجز أو التنفيذ رفع دعوى معينة فإن هذه الدعوى لا يجوز رفعها إلا للمحكمة المختصة دون هيئة التحكيم ، والسبب في عدم جواز التحكيم في إجراءات التقاضي وإجراءات التنفيذ أن هذه الإجراءات تجري تحت إشراف القضاء ورقابته .[13]

 

الفرع الثالث : مسائل الملكية الفكرية.

مصطلح الحقوق الفكرية ينطوي تحت مظلته: كل ما ينتج عن العقل من أعمال تتضمن صفة الجِدة والابتكار والحداثة، لذا يمكن رد الحقوق التي تقع في دائرة الملكية الفكرية إلى ما يلي:

1- حقوق المؤلف .

هذه الحقوق هي المصنفات في مجال العلوم والآداب والفنون ويقصد بحق المؤلف :”الحقوق والالتزامات التي ترد على المصنفات سواء كانت محررة ، أو شفوية ، أو مرئية ، أم مجرد فكرة لم يتم بلورتها إلى كيانات ، وإنما يوجد ما يثبت وجودها ليتمكن صاحبها من ممارسة كافة السلطات التي يتمتع بها حسب القواعد العامة للقانون والآداب العامة “.[14]

2- الحقوق الصناعية .

وهذه الحقوق تشمل براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية ويقصد ببراءة الاختراع :”الشهادة التي تمنحها الدولة لصاحب الاختراع”. ويقصد بالرسوم الصناعية :”كل ترتيب وتنسيق للخطوط بطريقة فنية مبتكرة تكسب السلع والبضائع رونقا جميلا وجذابا يشد انتباه المستهلك”. ويقصد بالنماذج الصناعية:”كل شكل أو قالب أو هيكل يستخدم لصناعة السلع والبضائع بشكل يضفي عليها مظهرا خاصا يميزها عن غيرها”.[15]

3- الحقوق التجارية.

وتشمل هذه العلامات التجارية و الأسماء والعناوين التجارية ويقصد بالعلامة التجارية :”كل إشارة أو دلالة مادية مميزة يتخذها الصانع أو التاجر أو مقدم الخدمة لتمييز صناعته ، أو بضاعته ، أو خدماته ، عن مثيلاتها التي يصنعها ، أو يتاجر بها أو يقدمها الآخرون”.

ويقصد بالاسم التجاري:”التسمية التي يختارها التاجر لمتجره كي يميزه عن غيره من المتاجر”. ويقصد بالعنوان التجاري:”التسمية التي يختارها التاجر لنفسه كي تميزه عن غيره من التجار”.[16]

وكقاعدة عامة لا يجوز التحكيم في مسائل الملكية الأدبية والفنية بالنسبة للمسائل الجنائية لتعلقها بالنظام العام، إلا أنه يجوز التحكيم في الحقوق المالية المترتبة عليها كالتعويض عن الاعتداء عليها.[17]

كما لا يجوز التحكيم في مسائل الملكية الصناعية : (الرسوم، النماذج ، العلامة التجارية ، وبراءات الاختراع )وخاصة فيما يتعلق بتوافر الشروط الموضوعية والشكلية لقبول تسجيلها لتعلق ذلك بالنظام العام ويكمن السبب في ذلك إلى تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. إلا أنه يجوز التحكيم فيما يتعلق باستغلال براءة الاختراع لأن الأمر هنا يتعلق بحق مالي يجوز التصالح بشأنه.[18] وأخيرا لا يجوز التحكيم بشأن تقليد العلامة التجارية لأن تقليدها يشكل جريمة إلا أنه يجوز التحكيم في التعويضات المدنية المترتبة على الجريمة.

فنخلص مما سبق إلى أن معيار القابلية للتحكيم في القانون الأردني هو: أن يكون موضوع الحق ماليا قابلا للتصرف فيه وغير مخالف للنظام العام.

 

وقبل أن نختتم هذه المقالة نتساءل عن الجزاء المترتب على الاتفاق بشان مسالة لا يجوز فيها التحكيم ؟ وإجابةً عن ذلك نقول بأنه يترتب على الاتفاق على التحكيم بشأن مسألة لا يجوز فيها التحكيم بطلان هذا الاتفاق بطلانا مطلقا لتعلّق هذه المسألة بالنظام العام، وإذا تم التحكيم وصدر حكم في هذه المسألة – التي لا يجوز بشأنها التحكيم لتعلقها بالنظام العام – وجب على قاضي الدولة المطلوب إليه إصدار الأمر بالتنفيذ الامتناع عن إصدار أمر تنفيذه من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم.[19]

ثم يطرح السؤال التالي: ما الحل لو اشتمل اتفاق التحكيم في شق منه على منازعة لا يجوز التحكيم بشأنها ؟.

ذهب جانب من الفقه[20] إلى القول بأن اتفاق التحكيم لا يكون باطلا إلا بالنسبة للشق الذي لا يجوز فيه التحكيم، وذلك لافتقار هذا الشق لركن المحل الذي يجب أن يكون موجودا ومعينا ومشروعا ما لم يثبت مدعي البطلان أن هذا الشق الذي وقع باطلا لا ينفصل عن جملة الاتفاق على التحكيم أو كان محل التحكيم غير قابل للتجزئة .فإنه في هذه الحالة يبطل اتفاق التحكيم كله. أما إذا كان بالإمكان فصل الشق غير القابل للتحكيم فإن التحكيم يبطل في هذا الشق وحده لاتصاله بالنظام العام .

ويرى جانب آخر من الفقه[21] أنه لا ربط بين صحة الاتفاق وصحة الحكم ، وهذا الرأي الذي نؤيده لأنه لا يترتب دائما على بطلان الاتفاق على التحكيم بطلان الحكم . فقد يكون الاتفاق باطلا لمخالفته للنظام العام ولكن الحكم قد يكون صحيحا وذلك عندما يقضي ببطلان هذا الاتفاق لمخالفته النظام العام وهو الحكم الذي جاءت به المادة 21 /أ من قانون التحكيم الاردني.

وقد يكون العكس حيث يكون الاتفاق صحيحاً إلا أن الحكم الصادر مخالفاً للنظام العام ففي هذه الحالة يبطل الحكم لمخالفته للنظام على الرغم من صحة الاتفاق وهو ما جعلته المداة 49/ب من قانون التحكيم سبباً من أسباب دعوى بطلان حكم التحكيم.

ومثال ذلك: المادة 160/2 من القانون المدني الأردني في حال إبرام ورثة محتملين اتفاقاً بشأن تركه مستقبلية حال حياة مورثهم وتضمن الاتفاق شرط تحكيم وثار نزاع بين الورثة وعرض الأمر على هيئة تحكيم فإذا أقرّت هيئة التحكيم الاتفاق وأصدرت حكمها بتسوية النزاع فإن هذا الحكم يكون باطلا لمخالفته للنظام العام . أما إذا أصدرت هيئة التحكيم حكمها ببطلان اتفاق التحكيم لمخالفته للنظام العام فإن هذا الحكم يكون صحيحا.[22]

وفي الختام لابد من القول أن السبب في اتفاق التشريعات العربية على حظر التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح يرجع إلى أن هذه القوانين قد أجازت لطرفي النزاع تفويض هيئة التحكيم بالصلح فيما بينها. ونحن نعلم بأن التحكيم بالصلح لا يقيد المحكّم بالقانون وإنما يفصل المحكّم في موضوع النزاع بمقتضى قواعد العدالة والإنصاف، وبالتالي فإذا لم يمنع القانون التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح لكان هناك احتمال للقول بأنه يجوز التحكيم حتى في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، ما دام أن المشرع قد أجاز التحكيم بالصلح عموماً، ويترتب على هذا القول بأنه يجوز للطرفين إجراء الصلح في مسألة لا تخضع أصلا للصلح، ولكن بطريق غير مباشر وذلك من خلال تفويض شخص ثالث بمثل هذا الصلح، أي عن طريق التحكيم وهذا أمر غير منطقي بداهة . لذا جاء المشرع وحظر التحكيم في كل مسألة لا يجوز فيها الصلح.

 

[1]المذكرة الإيضاحية للقانون المدني ، الجزء الأول ، ص159 .

[2]المادة 163 من القانون المدني الأردني

[3]د.عدنان إبراهيم السرحان،د.نوري خاطر، دراسة مصادر الحقوق الشخصية،دراسة مقارنة دار الثقافة للنشر والتوزيع ،عمان ،2000، ص180 .

[4]د.رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام في القانون المصري واللبناني، الدار الجامعية،1990، ص156 وما بعدها. أنظر أيضا : د.محمد علي البدري ، النظرية العامة للالتزام ، ج1 ،ط2 ، منشورات الجامعة المفتوحة ، 1993 ، ص122 .

[5]د.عدنان إبراهيم السرحان . د.نوري خاطر، مرجع سابق، ص181.

[6]القاضي احمد سعيد المومني ، التحكيم في التشريع الأردني والمقارن ، ج1 ، دون سنة نشر أو دار نشر،ص9. أنظر أيضا :د.محمد السيد التحيوي ، مرجع سابق ،ص115.

[7]المرجع السابق، ص115.

[8]تعتبر الأهلية من المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية حيث نص المشرّع في المادة 47 من القانون المدني الأردني:”ليس لأحد النزول عن حريته الشخصية ولا عن أهليته أو التعديل في أحكامها “.

[9]د.حسن الهداوي ، الجنسية وأحكامها في القانون الأردني ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان ، 1993 ، ص11.

[10]المحامي بكر الدين بكر، مرجع سابق، ص253.

[11]د.محمد التحيوي ، مرجع سابق ، ص116.

[12]انظر كل من: د.محمود محمد هاشم، النظرية العامة للتحكيم في المواد المدنية والتجارية، ج1، دار الفكر العربي، ص147وما بعدها. ،د.محمد السيد التحيوي ، مرجع سابق ،ص116.، د.ناريمان عبد القادر ، مرجع سابق ، ص253 وما بعدها . ،د.المحامي الأستاذ عبد الهادي عباس ، الأستاذ جهاد هواش ، التحكيم ، 1997، ص90.

[13]د.احمد أبو الوفا ، التحكيم الاختياري والإجباري ،ط4،منشاة المعارف ، الإسكندرية،1983،ص80.، أيضا: المحامي عبد الهادي عباس ، جهاد هواش ، مرجع سابق ، ص93.، أيضا: د.محمد السيد التحيوي ، مرجع سابق ،ص117.

[14]لم يعرف كل من المشرع الأردني والمصري حق المؤلف بل ترك ذلك لاجتهادات الفقهاء والقضاء لذا فقد تعددت الاجتهادات بشأن ذلك فقد عرفه الدكتور السنهوري و الدكتور عبد المنعم الصرة وغيرهم أما التعريف الذي ارتأيناه فهو للدكتور محمد فواز مطالقة في ورقة العمل المقدمة من قبله إلى المؤتمر العالمي العلمي الأول حول الملكية الفكرية، جامعة اليرموك لسنة 2000،ص3.

[15]بشأن التعريفات انظر د.صلاح زين الدين ، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر العالمي الأول حول الملكية الفكرية ، جامعة اليرموك ،2000،ص40.

[16]المرجع السابق، ص4.

[17]د.ناريمان عبد القادر ، مرجع سابق ، ص255.

[18]المرجع السابق، 255 وما بعدها.

[19]المادة 49/ب من قانون التحكيم الأردني .

[20]د.محمد السيد التحيوي ، مرجع سابق ،ص132.، أيضا: د.حمزة حداد ، مرجع سابق، ص 147 ، أيضا: د.محمود هاشم، مرجع سابق، ص153

[21]د. مصطفى الجمال و عكاشه  عبدالعال ، مرجع سابق ، ص349 . أيضا: د محمد سليم العوا ، دراسات في قانون التحكيم المصري والمقارن ، دار الكتب القانونية ، مصر، المحلة الكبرى ، 2008 ، 228 .

[22]د.محمد بربري ، مرجع سابق ، ص249 وما بعدها .

 

* من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه المقالة تم التعاون في إعدادها في فترة سابقة في بحث مطول مع الزميل المحامي الأستاذ فائق الطراونة مع كل الشكر والاحترام

مصنف تحت: قانون التحكيم

عدد التعليقات : 2 | أكتب تعليقك

  • الأحد 4 أكتوبر 2015 | الساعة 1:19 صباحًا

    جهود مشكورة معلومات جدا قيمة و طريقة سردها سلسة و مفهومة
    كل الشكر و التقدير أستاذ مصعب
    مزيدا من التقدم

  • السبت 7 نوفمبر 2015 | الساعة 8:03 مساءً

    أشكرك جداً على مرورك وإطراءك وأتمنى دائماً أن تثروا المدونة والمحتوى بتعليقاتكم العلمية، كل الاحترام زميلتنا العزيزة استاذة سبل


أكتب تعليقك