الخميس 29 مايو 2014
لا تعليقات

شروط اتفاق التحكيم

سبق وأن تناولنا في مقالة سابقة الشكل الأساسي الذي يأتي عليه اتفاق التحكيم ، سواء كان على شكل شرط تحكيم أو مشارطة تحكيم ، أما هنا فسنتناول أهم شروط اتفاق التحكيم التي حددها قانون التحكيم وتحديدا في نص المادتي التاسعة والعاشرة من قانون التحكيم. حيث تضمن قانون التحكيم شروط لاتفاق التحكيم أهمها أن يكون هذا الاتفاق  اتفاق مكتوب وأيضاً أن يكون اتفاق التحكيم صادرا عمن يملك حق الاتفاق على التحكيم، وكذلك مسألة غاية في الأهمية تتعلق بالنطاق الموضوعي لاتفاق التحكيم؛ حيث أن المشرع قد حصره بالمسائل التي يجوز فيها الصلح لتكون المسائل القابلة للتحكيم  هي فقط تلك التي تقبل الصلح ، ويعد هذا المبحث من المباحث التي تحتاج إلى الكثير من التفصيل الذي ربما يحدّ من الخوض فيه أن أكثر ما يلجأ الأطراف فيه عادة إلى التحكيم هو المسائل التجارية التي هي في معظمها الأعم قابلة للصلح، وسنبحث فيما سيأتي نص المادتين 9 و 10 من قانون التحكيم اللتين عالجتا هذه الشروط.

ففي المادة التاسعة من القانون التي جاء نصها ” ﻻ ﻳﺠﻮز الإﺗﻔﺎق ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ إﻻ ﻟﻠﺸﺨﺺ اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ أو الإﻋﺘﺒﺎري اﻟﺬي ﻳﻤﻠﻚ التصرّف ﻓﻲ ﺣﻘﻮﻗﻪ، وﻻ ﻳﺠﻮز اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ اﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﺠﻮز ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺼﻠﺢ.” نجد أن الإتفاق على اللجوء للتحكيم إبتداءً يقتصر على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين يتمتعون بالأهلية القانونية للتصرف بالحقوق التي سيجري التحكيم بشأنها. وفي هذا التحديد حماية قانونيّة من المشرع للحق في لجوء الأشخاص إلى قاضيهم الطبيعي؛ حيث أن التحكيم فيه كما يرى الكثير من الفقه التحكيمي نزع اختصاص القضاء صاحب الولاية العامة بنظر المنازعات ومنح هذا الإختصاص إلى قضاء خاص يتفق عليه الاطراف، وهذا يقتضي أن يكون الشخص الذي يلجأ إلى هذا القضاء الخاص الإختياري– سواء كان شخصاً طبيعيّاً أو اعتباريّاً- مدركاً للنتائج المترتبة على مثل هذا التصرف القانوني، سواء من حيث اختيار هيئة التحكيم أو تحديد القواعد التي تنطبق على النزاع التحكيم أو ما إلى ذلك من مسائل يرجع الحق في تحديدها إلى المحتكمين. وكان معيار المشرع في تمتع الشخص بهذه القدرة هو أن يملك هذا الشخص التصرف بالحق الذي يرتضي اللجوء للتحكيم بشأنه.

    ولعل هذا الأمر من أهم وأبسط القواعد التي يجب أن يُحاط بها قضاء التحكيم بتحديد النطاق الشخصي في اللجوء للتحكيم. وقد بدأ المشرع بهذه القاعدة التي تحكم الأهلية على رأس المواد التي تعالج مسالة الإتفاق على التحكيم لتكون الحجر الأول في اتفاق التحكيم، ولعل البعض يجد أن  هذه القاعدة هي من الركائز الأساسية التي تشكل قوام أي عقد، إلا أن المشرع عالجها بحيث يؤكد على الصفة الإتفاقية لقضاء التحكيم من جهة، ومن جهة أخرى، تنظم مسألة الشخص الذي يملك الدخول في هذا الاتفاق (اتفاق التحكيم). ولعل هذه المسألة واضحة المعالم فيما يخص الشخص الطبيعي، وكذلك فيما يخص الشخص الاعتباري الذي يحدد القانون وعقد أو قانون تأسيسه الشخص أو الأشخاص الطبيعين الذين تنصرف تصرفاتهم إليه ليكون قادراً على إبرام اتفاق التحكيم شرطاً كان أم مشارطةً.

أما الشق الأخير من نص المادة التاسعة من قانون التحكيم فقد حدد النطاق الموضوعي الذي يجوز فيه اللجوء للتحكيم. بحيث جعل هذا النطاق مرتبطاً بجواز الصلح في المسألة التي يُراد التحكيم بشأنها.

فنجد أن المشرع قد أجاز التحكيم بحدود جواز الصلح، وترك الأمر في تحديد ما يجوز فيه الصلح مفتوحاً لتحدده القوانين والقواعد الأخرى الواردة في التشريعات والأحكام القانونية ووما جاء في الفقه والقضاء بهذا الصدد؛ بمعنى أن القواعد والأحكام الفقهيّة التي ترد في قصر صلاحية في مسالة معينة على القضاء الإجباري أو في إطلاقها بجواز الصلح فيها تنطبق على الحكم الوارد في هذه المادة من قانون التحكيم.

   ويمكن القول في هذا الخصوص أن التحكيم جائز في كافة النزاعات المالية المدنية والتجارية منها مالم يرد نص خاص يمنع التحكيم فيها، كالنص على عدم جواز التحكيم حول عقد الوكالة التجارية في بعض التشريعات المقارنة كالتشريع القطري على سبيل المثال، وإن كان الحال في المملكة الأردنية الهاشمية يقترب من هذا المنع، إلا أن النص فيه مجال للتفسير والتوسع بالخروج عن هذا الحظر.

    ويمكن لنا القول أن المسائل الماليّة الناشئة عن مصادر الإلتزام الواردة في القانون المدني تصلح لتكون محلّاً للإتفاق على التحكيم، وأن المسائل غير المالية أو المسائل الماليّة المتعلقة بالنظام العام والمصلحة العامة لا يجوز التحكيم بخصوصها.

وتجنّباً للخوض بتفصيلات كثيرة -سنعالج المسأل التي يجوز فيها الصلح في مقالة لاحقة- قد تثيرها هذه المسألة فإن النطاق العام لجواز التحكيم في مسألة معيّنة هو جواز التصرف فيها كحقٍ ماليّ.

وإضافةً إلى الشروط الواردة في المادة التاسعة نجد المشرع قد وضع بعض الشروط الواجبة في اتفاق التحكيم والصور التي يأتي عليها هذا الاتفاق حيث نصت المادة العاشرة من قانون التحكيم على أنه ”

‌أ. ﻳﺠﺐ أن ﻳﻜﻮن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻜﺘﻮﺑﺎً، وإﻻ كان ﺑﺎﻃﻼً، وﻳﻜﻮن إﺗﻔﺎق اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻜﺘﻮﺑاً إذا تضمّنه ﻣﺴﺘﻨﺪ وقّعه اﻟﻄﺮﻓﺎن، أو إذا تضمّنه ﻣﺎ ﺗﺒﺎدﻟﻪ اﻟﻄﺮﻓﺎن ﻣﻦ رﺳﺎﺋﻞ، أو ﺑﺮﻗﻴﺎت، أو ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻔﺎكس، أو اﻟﺘﻠﻜﺲ، أو ﻏﻴﺮها ﻣﻦ وﺳﺎﺋﻞ الإﺗﺼﺎل اﻟﻤﻜﺘﻮﺑﺔ واﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺳﺠﻞ للإﺗﻔﺎق.

‌ب. وﻳﻌدّ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ الإﺗﻔﺎق اﻟﻤﻜﺘﻮب كالإﺣﺎﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﻘﺪ إﻟﻰ أﺣﻜﺎم ﻋﻘﺪ ﻧﻤﻮذﺟﻲ، أو اﺗﻔﺎﻗﻴﺔ دوليّة، أو أي وﺛﻴﻘﺔ أﺧﺮى ﺗﺘﻀﻤﻦ ﺷﺮط ﺗﺤﻜﻴﻢ، إذا كانت اﻹﺣﺎﻟﺔ واﺿﺤﺔ ﻓﻲ اﻋﺘﺒﺎر هذا اﻟﺸﺮط ﺟﺰءً ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺪ.

ج. إذا ﺗﻢ الأﺗﻔﺎق ﻋﻠﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ أﺛﻨﺎء ﻧﻈﺮ اﻟﻨﺰاع ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺤﻜﻤﺔ، ﻓﻌﻠﻰ اﻟﻤﺤﻜﻤﺔ أن ﺗﻘﺮر إﺣﺎﻟﺔ اﻟﻨﺰاع اﻟﻰ اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، ويُعد ّهذا اﻟﻘﺮار ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ اﺗﻔﺎق ﺗﺤﻜﻴﻢ ﻣﻜﺘﻮب.”

يبدأ هذا النص باستكمال معالجة المسائل العمليّة المتعلقة بإتفاق التحكيم، حيث نجده يعالج مسألة ذات أهميّة كبيرة تتعلق بإتفاق التحكيم باشتراط أن يكون هذا الإتفاق مكتوباً؛ ورتّب هذا النصّ على عدم الكتابة البطلان. ولعل هذا الجزاء يوحي لنا بمدى خطورة إتفاق التحكيم، حيث أن اللجوء إلى هذه الوسيلة القضائية البديلة يوجب أن يتم وجود نصّ مكتوب يمكن الإستناد له كدليل على وجود هذا الإتفاق بمواجهة القضاء النظامي من جهة، ومن جهة أخرى، بمواجهة أطراف الإتفاق تجاه بعضهم البعض، وهنا يمكن لنا القول بأن المشرع قد استند لهذه الوسيلة من وسائل الإثبات دون غيرها كالشهادة أو القرائن أو غيرها من وسائل الإثبات المنصوص عليها في قوانين البيّنات أو أي قانون ذو علاقة في هذا الخصوص.

ولعل هذا العرض الموجز لما تتضمنه نصوص قانون التحكيم من أحكام يحول بيننا وبين الدخول في بعض التفصيلات، فنقول هنا أن البطلان الذي يرتبه هذا النص هو بطلان من نوع خاص وإن كان يميل لكونه مقرراً لمصلحة الخصوم، أما الجزئية التي تدفعنا للقول بتعلقه بالنظام العام بصورة من الصور فهي متعلقة بالتنفيذ، وليس مرتبطاً فقط بمصلحة الخصوم. وإن ما يدفعنا إلى قولٍ كهذا هو عدة إشارات أو دلائل من أهمها:

1-  أن على المحكمة عند إثارة الدفع بوجود شرط تحكيم أمامها – سواء كان ذلك لغايات تعيين محكّم أو كدفع شكلي يتعلّق بعد اختصاص المحكمة بنظر النزاع – التأكد من وجود شرط التحكيم حتى تقضي بما يتضمّنه وجود هذا الشرط. وهنا يجب الإشارة إلى أن وجود شرط التحكيم أو إستناد المحكمة إلى وجود شرط التحكيم في تعيين المحكم أو إقرار عدم الإختصاص لوجود شرط التحكيم لا يعني بحال من الأحوال أن هذا الشرط صحيح. فقد أكّدت محكمة التمييز الموقرة وفي العديد من قراراتها إلى أن إستناد المحاكم – سواء محاكم الدرجة الأولى عند إثارة هذا الدفع أمامها أو حتى محكمة الإستئناف في طلبات تعيين المحكمين – إلى شرط التحكيم في قرارتها المتعلقة بهذه المسألة إنما تقوم بعمل من أعمال الإدارة القضائية فقط، ولا يمكن القول بأن ذلك يعني صحة شرط التحكيم من عدمه؛ حيث أن إقرار صحّة شرط التحكيم أو حتى اتفاق التحكيم يدخل ضمن اختصاص هيئة التحكيم، ولعلّ هذا الموضوع من المواضيع المهمّة والحساسة في مجال التحكيم والتي يطول البحث والحديث عنها.

2-  الدليل الآخر الذي يدفع تجاه كون هذا البطلان متعلقاً بمصلحة الأطراف هو إقرار المشرع لكون عدم وجود إتفاق تحكيم مكتوب وصحيح كسبب من أسباب إقامة دعوى البطلان. حيث وضعه المشرع في مقدمة الأسباب التي تقبل فيها دعوى بطلان حكم التحكيم.

3-  أما الحالة التي يقترب فيها شرط كتابة اتفاق التحكيم من كونه متعلقاً بالنظام العام من وجهة نظري هو اعتبار المشرع إرفاق طالب التنفيذ صورة عن اتفاق التحكيم حتى يقبل منه طلب تنفيذ حكم التحكيم.

    بعد ذلك نقول أن المشرع بعد أن رتّب تلك النتيجة الحاسمة على كون إتفاق التحكيم غير مكتوب، نجده قد خفف من حدّة هذا الشرط حين ترك المجال مفتوحاً للأطراف لاختيار الطريقة المناسبة لكتابة اتفاق التحكيم فنجده قد ذكر عدة طرق لتبادل الوثائق المكتوبة بين الأطراف التي من الممكن ان تكون مقبولةً كمستند مكتوب يتضمن إتفاق التحكيم. وقد بدأ المشرع هذه الطرق بوجود وثيقة موقّعة من قبل الأطراف تتضمن إتفاق التحكيم، ولعل هذه الطريقة هي أكثر الطرق استخداماً وقبولاً في الواقع العملي للتحكيم. ثم لجأ المشرع بعدها للحديث عن وسائل لتبادل الرسائل المكتوبة طالما كانت هذه الوسائل تؤدي إلى وجود وثيقة تدلل دلالة واضحة على اتجاه نيّة الأطراف للجوء إلى التحكيم كوسيلة لفض نزاعٍ ما بينهم.

    وقد تضمّنت الفقرة الثانية من نصّ هذه المادة حكماً خاصاً في الإتفاق المكتوب على التحكيم؛ حيث أشارت إلى مسألة الإحالة إلى عقد يتضمن شرط تحكيم، وذلك في حال إحالة عقد ما بين الأطراف إلى عقد آخر سواء كان فيما بين نفس الأطراف أو أطراف آخرين أو حتى وثيقة نموذجيّة عندما يكون ذلك العقد أو تلك الوثيقة متضمّنةً لشرط التحكيم. ومن الأمثلة على ذلك وجود عقد فيما بين أحد أطراف عقد مقاولة وبين صاحب العمل يتضمن شرط تحكيم يتم إعماله كوسيلة لفضّ أي نزاع يقع بينهم، ويكون هذا المقاول على سبيل المثال قد أبرم عقداً فيما بينه وبين مقاول فرعي، وهذا العقد لا يتضمن شرط تحكيم وإنما يحيل في بعض أحكامه والتي منها شرط التحكيم إلى العقد الاصلي فيما بينه وبين صاحب العمل. ومثال الإحالة إلى شرط التحكيم في وثيقة نموذجيّة وجود عقد يتضمن إحالة إلى عقد الفيديك على سبيل المثال في مالم يتم الإتفاق عليه من أحكام، بحيث تكون الأحكام الواردة في عقد الفيديك جزءً من العقد فيما بينهم، فيكون شرط التحكيم الوارد في هذا العقد النموذجي منطبقاً على الأطراف مع أنهم لم يضمّنوه للإتفاق فيما بينهما.

    والشرط الذي تطلّبه المشرع لاعتبار ذلك الشرط الوارد في ذلك العقد أو تلك الوثيقة محلا ً لإحالة الأطراف للتحكيم بموجبه هو أن تكون الإحالة إلى ذلك الشرط واضحة، بحيث يكون علم الأطراف بوجودها أقرب للإحتمال.

    أما الفقرة الأخيرة من هذه المادة فقد أشارت إلى إمكانية قيام الأطراف بالإتفاق على اللجوء للتحكيم أثناء نظر النزاع من قبل المحكمة؛ وقد أعطى المشرع مثل هذه الإتفاق قوة تنزع اختصاص نظر النزاع من المحكمة، ولا تترك للمحكمة الخيار إلا بأن تقوم بإحالة النزاع إلى التحكيم، ويعد قرار المحكمة هذا والمتضمن الإتفاق على التحكيم بمثابة اتفاق مكتوب فيما بين طرفي التحكيم بصورة تتوافق مع الأحكام التي تقررها هذه المادة.

مصنف تحت: قانون التحكيم

أكتب تعليقك