الأحد 15 ديسمبر 2013
لا تعليقات

حجية الحكم الصادر في دعوى الإلغاء (1/3)

مقدمة :
إن القرار الإداري ومن حيث الأصل وسيلة الإدارة للتعبير عن إرادتها ممثلة برجل الإدارة وهذه القرارات الصادرة عن رجل الإدارة للتعبير عن إرادة الإدارة قرارات تتمتع من حيث الأصل بقرينة السلامة لكافة أركان وأجزاء القرار الإداري من حيث آلية الصدور وسبب ومحل هذا القرار، ولكن قد يشوب القرار الصادر عن الإدارة عيب يمس بقرينة السلامة التي يحوزها القرار الإداري لذلك وجد القضاء الإداري الذي يمسى أيضا قضاء المشروعية حيث انه يبحث في مشروعية القرارات الإدارية التي ينعى المتعاملون مع الإدارة عليها أنها معيبة بعيب من العيوب التي تشوب هذه القرارات ، فتقوم المحكمة بفحص هذا القرار الإداري وتوافقه مع القانون وتصدر قرارها الذي إما ينفي العيب عن هذا القرار الإداري وبالتالي صلاحيته للنفاذ وإما أن تحكم المحكمة بأن هذا القرار مشوب بعيب يؤدى إلى تقرير بطلان هذا القرار ومحو ما ترتب عليه من آثار نظرا للطبيعة العينية التي تتصف بها الدعوى الإدارية .


والحكم الصادر في دعوى الإلغاء الذي يقرر إلغاء القرار الإداري الذي ثبت عدم صحته يحتاج إلى أن يدخل حيز التنفيذ حتى يؤدي الغرض الذي وجدت من أجله دعوى الإلغاء ، بأن لا يكون لهذا القرار الملغى أي أثر سواءً على الحاضر وحتى على طوال المدة التي تلت صدور القرار الملغى ، وأما الإشكالية التي يثيرها هذا الموضوع فهي مدى الحجية التي يتمتع بها هذا الحكم ، وقد يكون هذا الموضوع نقطة أكثر طرحا في الدول التي يكون فيها التقاضي الإداري على درجات وتقبل أحكامها الطعن ، أما في التشريع الأردني فليس هناك قضاء إداري بالمعنى الحرفي للكلمة وليس للأحكام الصادرة عن محكمة العدل العليا أي وسيلة من وسائل الطعن.

وعلى ذلك سأحاول في هذا البحث أن أدرس موضوع حجية الأحكام الصادرة في دعاوى الإلغاء ، ويتوجب عليّ قبل أن أشرع بجوهر هذه الفكرة أن أعالج الموضوع كما يلي:

  • أولا : المبحث التمهيدي والذي سأعالج فيه ماهية حجية الأحكام القضائية والذي أبحث من خلاله ماهية الحكم القضائي في مطلب أول وحجية الحكم القضائي في مطلب ثانٍ.
  • ثانيا: أما المبحث الثاني فأنني سأعالج فيه فكرة الحكم في دعوى الإلغاء من خلال مطلبين الأول منهما حول حجية الحكم في دعوى الإلغاء والمطلب الثاني في تنفيذ حكم الإلغاء.

 

 

     المبحث الأول : ماهية حجية الأحكام القضائية

    إن الحديث عن حجية الأحكام الصادرة في دعوى الإلغاء تستلزم منا الحديث بداية عن بعض المصطلحات والمفاهيم والأمور المرتبطة بالحجية عموما وذلك كمدخل للتعمق في جزئية البحث وأيضا يتطلب منا التمييز بين مدلولات الحجية في بعض الأحكام القضائية ،
وعلى ذلك فسأقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين الأول منهما يتحدث عن الأحكام القضائية عموما والثاني للحديث عن مدلول الحجية وبعض ما يتعلق به في الأحكام القضائية .

    المطلب الأول : ماهية الحكم القضائي
إن الحكم هو القرار الصادر عن محكمة في خصومة أو في مسألة متفرعة عنها أقيمت بطريق الدعوى ، وصدر بها قرار وفقا لقواعد وأصول إصدار الأحكام {1}.
ثم إن الحكم حتى يتم اعتباره حكما قضائيا فإنه يلزم فيه مضمون وشكل ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن القرار الصادر عن المحكمة بتنظيم سير الخصومة وإجراءات الإثبات فيها لا تعد أحكاما بالمعنى المقصود سابقا وذلك لعدم صدورها في خصومة .{2}
ويتم تقسيم الأحكام عادة لدى الفقه إلى عدة صور مختلفة {3} بحسب الجانب الذي يتم النظر له عند التقسيم ومن أهم هذه الصور تقسيم الأحكام إلى أحكام موضوعية وأحكام وقتية وأحكام مستعجلة وذلك استنادا لطبيعة الطلب في الدعوى ، من هذه الصور أيضا تقسيم الأحكام إلى قطعية وغير قطعية وذلك نظرا إلى حسم الحكم للنزاع القائم في المسألة الصادر فيها الحكم ، وكذلك تقسم الأحكام إلى وجاهية وغيابية وذلك من حيث صدورها في مواجهة الخصوم أو في غيبتهم {4} ، وأخيرا تقسم إلى أحكام ابتدائية وأحاكم نهائية سنداً لقابليتها للطعن من عدمه.

والخلاصة التي تسعى الأحكام لكي تحوزها هي قوة القضية المقضة ( حجية الأمر المقضي به ) {5} ، ومن الأحكام التي تحوز هذه الحجية الحكم القطعي والحكم المبرم ، والحكم القطعي هو الحكم الذي أصبح نهائيا إما بأنه لا يقبل الطعن أو أنه فوت مواعيد الطعن فأصبح قطعيا ، أما الحكم المبرم ( الباتّ) فهو الحكم الذي استنفذ كافة طرق الطعن بالأحكام فأصبح مبرما ، وهذه الأحكام كما قلنا سابقا فإنها تحوز قوة القضية المقضية وتصبح عنونا للحقيقة.

    المطلب الثاني : الحجية في الأحكام القضائية
إن النتيجة التي تترتب على أن يكون الحم حائزا لقوة القضية المقضية هي أن تصبح هذه الأحكام صالحة للاحتجاج بها على الأفراد ويقصد بمصطلح الحجية أن الأحكام التي حازت قوة الأمر المقضي تكون سندا فيما فصلت فيه ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية. وحتى تحوز الأحكام الحجية لابد من توافر بعض الشروط فيها وهذه الشروط هي {6} : {7}

  1. وحدة الخصوم : أي أن الحجية تقوم بالنسبة لإطراف الخصومة ولا يتمسك بها من هو خارج على الخصومة بحجة أن المصالح متشابهة.
  2. وحدة الموضوع : وهي مسألة موضوعية تستقل بالفصل فيها محكمة الموضوع ، والموضوع هو الحق المطالب به من قبل الخصم أو المصلحة التي يسعى إلى تحقيقها ، والعبرة في اتحاد الموضوع هي بما يرد في حكم المحكمة.
  3. وحدة السبب : وهي الواقعة القانونية التي يستمد منها الخصم الحق الذي يدعيه وهو لا يتغير بتغير الأدلة والحجج التي يستند لها الخصم، فلا بد عند الاحتجاج أن يكون السبب هو ذاته في الحالتين.

    والحجية التي تحوزها الأحكام القضائية تتراوح بين حالتين أو صورتين ، الأولى منهما هي الحجية النسبية والثانية هي الحجية المطلقة ، فالحجية النسبية تنحصر آثارها على أطراف الخصومة ولا تمتد إلى الغير حيث تكون حجة على من صدرت في حقه كالأحكام المقررة للالتزامات المالية على الأطراف في الدعوى المدنية على سبيل المثال أما الحجية المطلقة فيمتد أثرها وتسري في مواجهة الكافة أي أن أثرها يسري على الغير الذي لم يكن طرفا في الدعوى كالحجية التي تحوزها الأحكام الصادرة في المواد الجنائية على سبيل المثال أو حتى الأحكام التي هي مدار بحثنا (الأحكام الصادرة بإلغاء القرار الإداري) .{8}

ومن الأمور التي تجدر الإشارة إليها أن الأحكام القضائية – كما القوانين – إما أن تسري بأثر فوري (مباشر) أو أن يكون أثرها رجعيا ؛ فالأحكام التي تقرر الحقوق – مثلا – تسري بأثر رجعي أي منذ تاريخ نشأة هذا الحق لصاحبه وذلك أن دورها كان يقتصر على إثبات الحق لصاحبه دون إعطائه شيئا جديدا ،{9} وهذا الحال – كما سنرى – هو الذي يسري بخصوص دعوى الإلغاء إذ أن أثر الحكم الصادر بالإلغاء يعتبر القرار كأن لم يكن ويمحو جميع الآثار التي ترتبت على القرار الملغي {10} ، أما الأحكام المنشئة – على سبيل المثال أيضا – فإنها تسري بأثر فوري مباشر – ما لم ينص القانون على خلاف ذلك – إذ أنها ترتب للمحكوم له حقا لم يكن له قبل صدور الحكم ويحق له التمتع وممارسة هذا الحق منذ صدور الحكم وفي المستقبل دون أن يمس هذا الحكم الحالة أو المراكز القانونية التي كانت قائمة قبل صدور هذا الحكم .{11}

الهوامش :-
__________________
{1} – أمينة النمر ، أصول المحاكمات المدنية ، الدار الجامعية ، بدون مكان نشر وبدون سنة نشر ، صـ197ـ .
{2} ومثال ذلك : قرار تأجيل الدعوى ، قرار الإحالة ، قرار انتخاب الخبراء .
{3} أمينة النمر ، مرجع سابق، ص 200 وما بعدها . د. محمد سعيد نمور ، أصول الإجراءات الجزائية ، دار الثقافة ، عمان ، 2005، ص 517 وما بعدها.
{4} يظهر هنا أيضا مصطلحات أكثر دقة من الغيابي و الوجاهي وهي الوجاهي الاعتباري والذي يعني أن الخصم قد تبلغ بالدعوى تبليغا صحيحا ولكنه لم يحظر فيها بتاتا والمصطلح الآخر هو صدور الحم بمثابة الوجاهي وفيه يكون الخصم قد حضر بعض جلسات المحاكمة وغاب عن جلسة النطق بالحكم.
{5} – قوة الأمر المقضي : هي المرتبة التي يصل إليها الحكم إذا أصبح نهائيا غير قابل لأي طريق من طرق الطعن.
{6} إبراهيم أحمد ، حجية الأحكام ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، 2001 ، ص 18 وما بعدها.
{7} وجدت أثناء بحثي رأي لدى الأستاذ الدكتور سامي جمال الدين في كتابه إجراءات المنازعة الإدارية في دعوى إلغاء القرارات الإدارية الصادر عن منشأة المعارف في الإسكندرية والصادر في عام 2004 في الصفحة 185 قوله (( ولا يشترط لإعمال حجية حكم الإلغاء المطلقة إتحاد الخصوم أو الموضوع أو السبب ، فيجوز لكل من لم يكن طرفا في دعوى الإلغاء أن يتمسك في دعوى الإلغاء )) وهو رأي خالف ما جاء في الفقه ومن الأراء المخالفة لهذا الرأي الدكتور أحمد محمود جمعة في كتابه أصول إجراءات التداعي أمام محاكم مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا الصادر عن منشأة دار المعارف والصادر في عام 1985 في الصفحة 72 حيث يقول (( على أن حجية الشيء المقضي لا تترتب إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتعدد صفاتهم وتعلق بذات المحل سببا وموضوعا ))
{8} – مصطفى كمال وصفي، أصول إجراءات القضاء الإداري، مطبعة الأمانة، مصر،1978، ص 546و547.
{9} على سبيل المثال الحكم بصحة عقد البيع يكون مرتبا لأثره من تاريخ العقد وليس من تاريخ صدور الحكم ، وكذلك الحال في الحكم بملكية شخص ما لشيء ما فإن هذا الحق يترتب لصاحبه من تاريخ ثبوته وليس من تاريخ صدور الحكم.
{10} محمود خلف الجبوري، القضاء الإداري، دار الثقافة، عمان، 1998، ص127.
{11} على سبيل المثال الحكم الصادر بتعيين حارس قضائي يكون ذا أثر مباشر لا يمتد إلى الماضي ويرتب آثار فورية ، وكذلك الحال بالنسبة للحكم الصادر برد الحيازة . للمزيد حول هذا الموضوع لطفا أنظر : أمينة النمر، مرجع سابق، ص 209 وما بعدها.

مصنف تحت: مقالات قانونية عامة

أكتب تعليقك