الأحد 15 ديسمبر 2013
لا تعليقات

حجية الحكم الصادر في دعوى الإلغاء (3/3)

المطلب الثاني: تنفيذ حكم الإلغاء
يشتمل الحكم بالإلغاء على أسلوب تنفيذه حسبما حدد القانون وقد جاء التأكيد على ذلك في المادة 26 من قانون محكمة العدل العليا في فقرتها الثانية والتي جاء فيها (( …. ويتوجب تنفيذه بالصورة التي صدر فيها وإذا تضمن الحكم إلغاء القرار الإداري موضوع الدعوى فتعتبر جميع الإجراءات والتصرفات القانونية والإدارية التي تمت بموجب ذلك القرار ملغاة من تاريخ صدور ذلك القرار))، وفي هذا الصدد صدر قرار لمحكمة العدل العليا باعتبار امتناع المستدعى ضده عن تنفيذ قرار محكمة العدل العليا بالرغم من الطلبات المقدم إليه من المستدعي فإنه يكون قد خالف أحكام المادة 26 من قانون المحكمة {1} ، وجاء في قرار آخر (( 2- … لأن من آثار مبدأ حجية الحكم التزام المحكوم عليه بتنفيذ قرار الحكم )) {2}.

* دور الإدارة في تنفيذ حكم الإلغاء
ويكون للحكم الصادر بالإلغاء أثر رجعي {3} ؛ أي أن القرار الإداري الذي قضي بإلغائه يعتبر وكأنه لم يصدر أصلا ، وتمحى جميع الآثار القانونية التي رتبها وأنشأها هذا القرار المعيب وهذا الأمر يرتب نوعين من الالتزامات فمن ناحية فإن على الإدارة بأن تعيد الحال إلى ما كنت عليه قبل صدور هذا القرار الملغى وهذا ما يطلق عليه ( الالتزام الإيجابي) و(الالتزام السلبي) المقابل الواقع على الإدارة هو الامتناع عن اتخاذ أي إجراء يمكن اعتباره تنفيذا للقرار الملغي ، أي أن على الإدارة أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذ مؤدى الحكم مع تطبيق نتائجه القانونية على افتراض عدم صدور القرار الملغي من بادئ الأمر وتسوية الحالة على هذا الوضع، وهذا لا يحول بحال من الأحوال من بقاء سلطة الإدارة في الإفصاح عن إرادتها لإحداث مراكز قانونية بما لا يتعارض مع الحكم الصادر بالإلغاء .{4}

وهذا الدور الإيجابي للإدارة الذي يلزمها بإعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل صدور القرار الملغي يمكن تقسيمه إلى قسمين:

  1. التزام الإدارة بإزالة آثار القرار الملغي : ومقتضى هذا الالتزام أن تتولى الإدارة إصدار قرار إداري جديد بسحب القرار الملغي إن كان هذا القرار إيجابيا أما في حالة القرار السلبي فيجب على الإدارة إصدار قرار إيجابي بالموافقة على طلب صاحب الشأن، هذا فيما يخص الآثار القانونية ويسري هذا الحال أيضا على الآثار المادية التي رتبها القرار الملغي ، ويكون هذا في تلك الحالات التي لا يستحيل فيها تطبيق الأثر الرجعي للقرار الإداري . {5}
  2. التزام الإدارة بهدم الأعمال القانونية : وهذا الالتزام يتعلق بتلك القرارات التي تصدرها الإدارة استنادا للقرار الذي صدر الحكم بإلغائه قبل صدور هذا الحكم أو ما يسمى بالقرارات التبعية فإذا قام المستدعي بالطعن بهذه القرارات الصادرة استنادا للقرار المطالب بإلغائه فإن المحكمة تقضي بإلغاء القرارات التبعية مع القرار الأصلي الملغى ، أما إذا لم يقم الطاعن بذلك فإذا كانت هذه الأحكام تشكل كتلة واحدة مع القرار الملغي {6} أو أن القرار الأصلي هو السبب الدافع لإصدار القرار المستند عليه {7} فإن القرارات التبعية ستسقط تبعا للقرار الأصلي بصورة آلية أما إذا كان القرار الأصلي سببا غير مباشر لصدور مثل هذه القرارات فإن إلغاء القرار الأصلي لا يؤدي إلى إلغاء القرار التبعي حيث أن هذا القرار التبعي يكتسب وضعا قانونيا مستقلا ويتحصن بمضي المدة القانونية ما لم يكن الطعن به يستند إلى سبب آخر مستقل عن القرار الأصلي.{8}

 

أما الدور السلبي الواقع على عاتق الإدارة فيتمثل بالتزام الإدارة بعدم انتهاك قوة الشيءالمقضي به وذلك من خلال ما يلي:

  1. امتناع الإدارة عن تنفيذ القرار الملغي: إن صدور حكم من المحكمة بإلغاء القرار الإداري يعني إعدام هذا القرار واعتباره كأن لم يصدر وبأثر رجعي، وكذلك يجب على الإدارة التوقف عن تنفيذ القرار الملغى إن كانت قد بدأت فعلا بتنفيذه ، وبما أن الإدارة عليها أن تلتزم باتخاذ كل قرار أو إجراء يكون ضروريا لإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدور القرار الملغي فإنه ومن باب أولى عليها أن تمتنع أي إجراء تنفيذي يرتب أثرا على القرار الملغي .{9}
  2. امتناع الإدارة عن إعادة إصدار القرار الملغي: بما أن الإدارة تمتنع عن تنفيذ القرار الملغي فإنه عليها أيضا أن لا تحاول إصدار ذات القرار سواء بنفس منطوق القرار السابق أو بالتحايل على الحكم الصادر بتنفيذه صوريا أو التباطؤ والتراخي في تنفيذه أو رفض التنفيذ رفضا صريحا .{10}

وقد أكدت محكمة العدل العليا في حكم لها بهذا الخصوص يحوي الكثير من هذه الوسائل حيث جاء فيه (( 3- لا تملك أية جهة سواء أكانت الإدارة العامة أو غيرها أن تناقش في قرار قضائي، أو تشكك في قيمته، متى حاز حجية الأمر المقضي به واكتسب الدرجة القطعية ، ويعتبر أي تعقيب على حكم قضائي سواء بما أثبتته المحكمة من وقائع وما استندت عليه قانونا، إخلالا بحرمة الأحكام القضائية والتي هي عنوان الحقيقة وللأحكام وسائل للطعن بها حسب ما هو مرسوم لها وليس منها الامتناع عن تنفيذها بمقولة عدم دستورية القانون الذي استندت إليه المحكمة في حكمها)) .{11}
وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أمر غاية في الأهمية ألا وهو أن قاضي الإلغاء هو قاضي مشروعية وليس مندوبا عن رجل الإدارة في إصدار القرارات الإدارية، أي أن دوره يتوقف على الحكم بصحة القرار الإداري أو عدم صحته ولا يتخذ من الإجراءات الإدارية ما يلزم لتنفيذ إلغاء القرار المقضي بإلغائه ولا بأي صورة من الصور وإنما ينقل هذا العبء على عاتق رجل الإدارة، وعلى رجل الإدارة أن يتخذ من الإجراءات ما يؤدي إلى تنفيذ القرار كما أسلفنا وليس له أن يقوم بما يؤدي إلى الحيلولة دون ذلك .{12}

* جزاء امتناع الإدارة عن تنفيذ أحكام القضاء الإداري
إن امتناع الإدارة عن تنفيذ الحكم القضائي لا يمسّ فقط بحق الفرد أو الموظف بل إنه يشكل إهدارا لقوة الأحكام وإهدارا لهيبة السلطة القضائية وسلطتها وخصوصا أنها تصدر أحكاما ناطقة بالحقيقة التي لا تحابي ولا تنحاز لأي جهة أو طرف من الأطراف.

لذلك كان لا بد من وجود جزاءات حاسمة توقع على الإدارة وعلى أي مسؤول إداري في حالة الامتناع عن تنفيذ الأحكام وخصوصا بعد أن علمنا أن لهذه الأحكام – كما سبق – حجية مطلقة في مواجهة الكافة وهذه الجزاءات التي أوجدها المشرع تنقسم إلى قسمين :

  1. الجزاء المدني (التعويض): لقد استقر القضاء الإداري على أن امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها حيث يعتبر عملها هذا عملا غير مشروع بل ويسمى أيضا قرارا سلبيا خاطئا ينشئ للمحكوم حقا في الحصول على تعويض يلتزم بدفع قيمته كل من الموظف المسؤول عن هذا الامتناع وقد يحكم بذلك أيضا على الجهة الإدارية . {13}
  2. الجزاء الجنائي: يترتب على امتناع الموظف المكلف بتنفيذ الحكم القضائي تعرض لجزاء وعقوبة جنائية طبقا للنصوص التي تحتويها التشريعات المختلفة وهذا الجزاء قد يكون أكثر ردعا من الجزاء المدني المتمثل بالتعويض لأن العقوبات الجنائية فيها نوع من الخوف والرهبة وخصوصا أن كثيرا منها تمسّ جسد الإنسان فتقيد حريته مثلا، وفي التشريع الأردني نجد أن المشرع وفي قانون العقوبات قد أفرد المادة 182 من قانون العقوبات في فقرتها الأولى لتقول :(( كل موظف يستعمل سلطة وظيفته مباشرة أو بطريقة غير مباشرة ليعوق أو يؤخر تنفيذ أحكام القوانين أو ….. تنفيذ قرار قضائي …. يعاقب بالحبس من شهر إلى سنتين )) {14}

ومن تحليل النص السابق نجد أن المشرع الجنائي الأردني قد وسّع من نطاق التجريم في هذا النص حيث جعل الوسيلة المباشرة وغير المباشرة صالحة لتكون وسيلة صالحة للتجريم وساوى المشرع كذلك بين كافة أشكال الأوامر الرسمية – إن صح التعبير – وذلك حتى يعطي المشرع دلالة على مقدار الحماية التي يوفرها للقوانين والأنظمة والأحكام القضائية الواردة في هذا النص.

الهوامش :-
___________________
{1} عدل عليا أردنية، قرار رقم 173/1991 فصل بتاريخ 15/10/1991 ( هيئة ثلاثية) LawJO . وقد أشار ذات القرار على أنه يترتب على الإدارة التزامان عند تنفيذ قرار حكم الإلغاء وهما الالتزام الإيجابي والالتزام السلبي .
{2} عدل عليا أردنية، قرار رقم 303/1993 فصل بتاريخ 31/1/1994 المنشور على الصفحة 705 من العدد 4 من مجلة نقابة المحامين لعام 1994.
{3} محاولة لتفادي بعض النتائج الشاذة أو غير العادلة التي قد تترتب عن تطبيق الأثر الرجعي لحكم الإلغاء فإن مجلس الدولة يخرج أحيانا على هذا المبدأ، ويرتب أثرا على تنفيذ القرار على الرغم من الحكم بإلغائه فجاء في حكم له أن إلغاء قرار التعيين غير المشروع لا يمنع صاحب الشأن من التمسك بالخدمات والأعمال التي قام بها فعلا عقب هذا التعيين الباطل وذلك بصدد ترشيحه لمسابقة تعيين جديد، للمزيد أنظر : محمود محمد حافظ، القضاء الإداري في القانون المصري والمقارن، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993، ص679 وما بعدها.
{4} سامي جمال الدين، مرجع سابق، ص 283.
{5} ومثال استحالة تطبيق الأثر الرجعي لحكم الإلغاء حالة تنفيذ الإدارة للقرار الإداري تنفيذا كاملا واستنفاذه للغرض الذي صدر من أجله قبل صدور الحكم القاضي بإلغائه فلا يكون للحكم الصادر بإلغاء القرار في مثل هذه الحالة إلا أثر نظري بحت ، ويشار هنا إلى أن مجلس الدولة الفرنسي حتى وإن ثبت له ذلك فإنه لا يتردد في الاستمرار بالسير في نظر مثل هذه الدعاوى وذلك للحيلولة دون وقوع أي نتائج جديدة لا يمكن تداركها حول هذا القرار.
{6} كاتفاق موظفين على أن يحل كل منهما مكان الآخر في الوظيفة بعد موافقة الإدارة فإلغاء قرار أحدهما يستتبع بالضرورة إلغاء قرار الموظف الآخر.
{7} مثل صدور قرار تأديبي بحق موظف، ونتيجة لذلك حرمانه من العلاوة ، فيلغى القرار بحرمانه من العلاوة بإلغاء القرار التأديبي.
{8} مازن ليو القاضي، مرجع سابق، ص 239 وما بعدها. ومثال الحالة الأخيرة كما يرى الدكتور مازن فيمل لو صدر عقوبة تأديبية مقنعة بحق موظف ونتيجة لصدور هذه العقوبة غضب الموظف وقدم طلبا لإحالته على التقاعد وبعد أن تم الموافقة على هذا الطلب كان قد تقدم بطعن لإلغاء القرار التأديبي وصدر حكم بإلغاء القرار بالعقوبة ، فهذا الإلغاء لا يطال القرار الصادر بإحالة الموظف على التقاعد الذي تم بناءً على طلبه حتى ولو كان دافعه لتقديم مثل هذا الطلب هو العقوبة المقنعة التي صدرت بحقه
{9} محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، ص 343.
{10} نواف كنعان، مرجع سابق، ص 391.
{11} عدل عليا أردنية، قرار رقم 267/1993 فصل بتاريخ 11/12/1993 (هيئة عادية) منشور على الصفحة 659 من العدد 4 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين لسنة 1994.
{12} محمد خلف الجبوري، مرجع سابق، ص146. وإنه ومن حيث الأصل فإن على الإدارة أن تمتنع عن ما يعطل تنفيذ الحكم الصادر بالإلغاء إلا أنه وفي حالات استثنائية يجوز للإدارة أن تمتنع ( مؤقتا ) عن تنفيذ حكم إلغاء القرار الإداري لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة كحصول مجموعة من الملاكين على حكم بإلغاء قرار يمنعهم من هدم مبانٍ تعود لهم بالامتناع الإدارة عن تنفيذ تخلية المأجور بالقوة ، لأن تنفيذ هذا الحكم في ظل عدم وجود بديل للمستأجرين قد يؤدي إلى هيجان شعبي يؤثر على الاستقرار والأمن العام فللإدارة أن تمتنع مؤقتا عن التنفيذ.
{13} محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، ص347 . ومناط مسؤولية الإدارة أن هذا الامتناع هو خطأ مرفقي فضلا عن كونه خطأ شخصي أيضا .
{14} نجد أن المشرع المصري جعل القاعدة التي تحمي تنفيذ الأحكام في نص من نصوص الدستور المصري ففي المادة 72 من الدستور جاء فيها : ( تصدر الأحكام باسم الشعب ويكون الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون وللمحكوم له في هذه الحالة رفع الدعوى الجنائية مباشرة أمام المحكمة المختصة) ووضع قانون العقوبات المصري تنفيذا لهذا النص المادة رقم 123 من قانون العقوبات التي تعاقب على ما سبق ( إما بالعزل أو الحبس).

قائمة المراجع العامة للبحث :

  1. إبراهيم أحمد ، حجية الأحكام ، دار الفكر الجامعي ، الإسكندرية ، 2001.
  2. أمينة النمر ، أصول المحاكمات المدنية ، الدار الجامعية ، بدون مكان نشر وبدون سنة نشر.
  3. سامي جمال الدين، إجراءات المنازعة الإدارية في دعوى إلغاء القرارات الإدارية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2004.
  4. مازن ليو القاضي، القضاء الإداري، دار قنديل ،عمان، 2005.
  5. محمد رفعت عبدالوهاب، القضاء الإداري ( الكتاب الثاني )،منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت، 2003.
  6. محمد سعيد نمور ، أصول الإجراءات الجزائية ، دار الثقافة ، عمان ، 2005.
  7. محمود محمد حافظ، القضاء الإداري في القانون المصري والمقارن، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993.
  8. محمود خلف الجبوري، القضاء الإداري، دار الثقافة، عمان، 1998.
  9. مصطفى كمال وصفي، أصول إجراءات القضاء الإداري، مطبعة الأمانة، مصر،1978.
  10. نواف كنعان، القضاء الإداري، دار الثقافة، عمان، 2006.

قائمة الدوريات :

  1. مجلة نقابة المحامين الأردنيين ، أعداد مختلفة.
  2. منشورات شبكة قانوني الأردن – www.lawjo.net
  3. برنامج عدالة .
مصنف تحت: مقالات قانونية عامة

أكتب تعليقك