الأحد 15 ديسمبر 2013
لا تعليقات

حجية الحكم الصادر في دعوى الإلغاء (2/3)

     المبحث الثاني : الحكم في دعوى الإلغاء

إن الحكم في دعوى الإلغاء له أهمية خاصة وذلك نظرا للطبيعة العينية لهذه الدعوى ، حيث يكون للحكم الصادر في دعوى الإلغاء حجية الأمر المقضي به مثل بقية الأحكام القضائية النهائية الأخرى كما سبق و أسلفنا، ونظرا للطبيعة العينية التي تتمتع بها دعوى الإلغاء فإن لها حجية مطلقة – كما سنوضح في هذا المبحث – ومن ثم سأتحدث عن تنفيذ حكم الإلغاء الواقع على القرار الإداري وسأحول توضيح هذه المسائل إن شاء الله.
وعلى ذلك سوف أقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبين كما يلي:

  •     المطلب الأول : حجية الحكم في دعوى الإلغاء
  •     المطلب الثاني : تنفيذ حكم الإلغاء

المطلب الأول : حجية الحكم في دعوى الإلغاء
إن القاعدة العامة في الحجية هي أن الأحكام القضائية النهائية تحوز حجية الأمر المقضي به وهذه هي القاعدة التي تسري على أحكام الإلغاء الصادرة عن محكمة العدل العليا وخصوصا أن نظام التقاضي لدى هذه المحكمة في الأردن هو قضاء على درجة واحده فقط {1} وقد دلّ على قطعية أحكام هذه المحكمة قانونها والعديد من القرارات القضائية الصريحة بهذا الخصوص فلقد جاء في قانون محكمة العدل العليا في المادة 26 منه :
(( أ – …..
ب- يكون حكم المحكمة في أي دعوى تقام لديها قطعيا لا يقبل أي اعتراض أو مراجعة بأي طريق من الطرق … ))
وجاء التأكيد على هذه القاعدة في العديد من أحكام هذه المحكمة حيث قالت (( 1- …
2- إن الحكم الصادر عن محكمة العدل العليا والتي تقام لديها في دعوى الإلغاء يصدر بدرجته النهائية ويكون قطعيا … )) {2} وجاء في حكم آخر لها (( … فإن الحكم الصادر في تلك القضية يكتسب قوة القضية المقضية …)) {3}

وأيضا يمكن لنا أن نفهم هذا بوضوح من خلال نص قانون البينات الأردني في المادة 41 منه والتي جاء في فقرتها الأولى ((الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلاً وسبباً .)) {4}
ثم إن دعوى الإلغاء كما يرى البعض {5} تكون حجة على الكافة استنادا إلى الطبيعة العينية أو الموضوعية لدعوى الإلغاء التي تقوم على اختصام القرار الإداري لإصابته بعيب من العيوب على زعم من القول الذي قد تثبته هذه الدعوى أو تنفيه وتبقي للقرار قاعدته التي تسبغ عليه قرينة السلامة، ولا تقوم هذه الدعوى على اختصام الجهة التي أصدرت هذا القرار أي أنها تبتعد عن فكرة القضاء الشخصي، وعلى ذلك يكون الحكم بإلغاء القرار الإداري إعداما له واعتباره كأن لم يكن وبناءً على هذه الحجية المطلقة للحكم بإلغاء القرار فإنه يجوز لكل شخص ذي مصلحة حق التمسك بإلغاء هذا القرار ولو لم يكن طرفا في دعوى الإلغاء وفي ذلك جاء أحد قرارات محكمة العدل العليا واضحا وصريحا في هذا الخصوص حيث جاء فيه ((إن الأحكام الصادرة بالإلغاء حجة على الكافة وحجيتها من النظام العام….)) {6} ، وبذلك يُمتنع نظر أي دعوى ترفع عن هذا القرار الذي قضي بإلغائه.

وهنا نتطرق لفكرة مهمة جدا وهي حدود أو نطاق هذه الحجية التي يطلق عليها على العموم أنها (حجية مطلقة) فهل هذا الإطلاق لعموم وجميع أركان القرار الإداري؟

أن قانون محكمة العدل العليا في المادة 26 منه المشار إليها سابقا دلّت صراحة على أن الحكم الصادر بإلغاء القرار الإداري بعد ثبوت عدم مشروعيته هي حجية مطلقة وفي كافة أنواع الدعاوى ( يكون حكم المحكمة في أي دعوى تقام لديها … ) {7}
وفي هذا المجال نستثني بعض الحالات من الحجية المطلقة للحكم الصادر في الدعوى وذلك حين يصدر الحكم برد الدعوى إذ يسري عليها والحالة هذه الحجية النسبية للأحكام {8}، أي أن حجيتها تكون قاصرة فقط على طرفي أو أطراف الدعوى مما يعني أنه قد يقوم شخص آخر برفع دعوى تثير عيبا آخر لم يثره الطاعن الأول وقد يحكم له بإلغاء القرار الطعين بحقه وليس هناك ما يمنع من أن يكون القرار بحق الأول صحيحا وخاطئا بحق الثاني كقرارات الترقية مثلا .{9}

فعند الحكم برد دعوى الإلغاء شكلا لغياب شرط من شروط تقديم هذه الدعوى فإن هذا لا يمنع بحال من أن تقام دعوى جديدة يستوفي فيها المستدعي شروط قبول هذه الدعوى شكلا كتصحيح الخصومة ولكن يجب في هذه الحالة التنبه إلى عدم انقضاء الميعاد اللازم لرفع هذه الدعوى وخصوصا أن هذا الميعاد قصير عادة لأن هذا أيضا سيكون سببا لرد الدعوى شكلا .

ونشير هنا إلى أن محكمة العدل العليا قد قالت في أحد قراراتها التي طعن فيها أحد الأشخاص الذين صدر بحقهم قرار بعدم تثبيتهم في الخدمة القضائية حيث قام مجموعة منهم بالطعن في هذا القرار وتم إلغاؤه بحقهم ورفضت محكمة العدل العليا دفع أحد الذين تقدموا بدعوى لاحقة بعد فوات المدة القانونية بحجة أن الحكم الصادر بإلغاء قرار عدم التثبيت يجعل منه قرارا منعدما ما يعني أنه لا يتقيد بميعاد طعن فقد ردت المحكمة على ذلك بقولها (( … لأن حجية الحكم بالإلغاء حجية نسبية تنحصر بالطاعن فقط في تلك القضايا …)) {10}
وبقي هنا أن نتطرق إلى فكرة أخيرة حول نطاق سريان الحجية المطلقة للحكم الصادر في دعوى الإلغاء وهي أن الحجية المطلقة تثبت لمنطوق الحكم والأسباب التي بني عليها الحكم والإجراءات المتبعة فيها والإدانة وقد جاء هذا في العديد من قرارات محكمة العدل العليا حيث جاء في بعض قراراتها (( 1- … ، 2- إن قيام الحجية بالإلغاء إنما تثبت بمنطوق الحكم وبالأسباب التي بني عليها … )) {11}، وجاء في حكم آخر لها (( فصل محكمة العدل العليا من حيث الإجراءات المتبعة فيها، والإدانة ، يعتبر فصلا قاطعا ويحوز حجية مطلقة ، …. أما من حيث العقوبة … وإعادة مجلس نقابة المحامين النظر فيها …. فإن العقوبة الجديدة تتناسب مع الذنب المسلكي )) {12}

الهوامش :-
_______________
{1} مع ملاحظة أن هذا القضاء قضاء غير كامل ؛ بمعنى أنه لا ينظر جميع الدعاوى الإدارية وإنما حصر المشرع دوره كما جاء في المادة التاسعة من قانون هذه المحكمة بمجموعة محددة وضيقة – إن صح التعبير- من الأمور الإدارية.
{2} عدل عليا أردنية، قرار رقم 533/2004 فصل 13/1/2005 (هيئة عادية)، منشور على الصفحة 781 من العدد 4 من مجلة نقابة المحامين للعام 2005.
{3} عدل عليا أردنية، قرار رقم 253/2000 فصل 31/10/2000 (هيئة عادية)، منشور على الصفحة 1355 من العدد 7 من مجلة نقابة المحامين للعام 2001.
{4} بل أن المشرع الأردني جعل هذه الحجية من النظام العام في التعديل الذي أجراه على قانون البينات الأردني عام 2005 ؛ حيث جاء في الفقرة الثانية من المادة 41 (2. ويجوز للمحكمة أن تأخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها)).
{5} انظر : سامي جمال الدين، إجراءات المنازعة الإدارية في دعوى إلغاء القرارات الإدارية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2004، ص184 وما بعدها . انظر أيضا : محمد رفعت عبدالوهاب، القضاء الإداري ( الكتاب الثاني )،منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت، 2003، ص238 وما بعدها . انظر أيضا : مازن ليو القاضي، القضاء الإداري، دار قنديل ،عمان، 2005، ص234 وما بعدها. وتجدر الإشارة هنا أن بعض الفقه وجد نصا صريحا يمكنه من إعطاء الحجية التي تسري على الكافة للحكم الصادر بالإلغاء في نص المادة 52 من قانون مجلس الدولة في مصر والتي جاء فيها (( …..على أن الأحكام الصادرة بالإلغاء تكون حجة على الكافة )).
{6} عدل عليا أردنية، قرار رقم 172/1991 المنشور على الصفحة 22 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين للعام 1993.
{7} نواف كنعان، القضاء الإداري، دار الثقافة، عمان، 2006، ص 383.
{8} سامي جمال الدين ، مرجع سابق، ص 184 ، ويضيف الدكتور أيضا حالة رد الدعوى موضوعا إذ يرى أنها أيضا تحوز على حجية نسبية فقط حيث أن المدعي لم يوفق في إثبات دعواه وذلك لا يعني حتما مشروعية القرار المطعون فيه والمحكوم برد الدعوى فيه موضوعا، أنظر أيضا مازن ليو القاضي، مرجع سابق، ص 235.
{9} محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، ص 340.
{10} عدل عليا أردنية، قرار رقم 155/2000 فصل بتاريخ 1/1/2000 (هيئة عادية)، منشور على الصفحة 1943 من العدد 10 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين لعام 2001.
{11} عليا أردنية، قرار رقم 86/1985 فصل بتاريخ 1/1/1985 ( هيئة عادية)، منشور على الصفحة رقم 795 من العدد 4 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين لسنة 1986.
{12} عدل عليا أردنية، قرار رقم 447/2001 فصل 18/4/2002 ( هيئة خماسية)، LawJO

مصنف تحت: مقالات قانونية عامة

أكتب تعليقك